صرخة بوليسي شريف

جمال بدومة

وصلتني رسالة طويلة من شرطي محترم، يعلق فيها على عمود «حاميها حراميها» الذي تطرق قبل أسابيع إلى سلوك «زميلين» غير محترمين، يبتزان المواطنين في «رومبوان» القامرة بالرباط. وإذا كانت «حوتة وحدة كتخنز شواري»، فإن هذه الرسالة تعكس وجهة نظر فئة واسعة من الشرفاء داخل جهاز الأمن، نادرا ما نسمع صوتهم، لذلك اسمحوا لي بأن أعرض عليكم أهم ما جاء في الرسالة بتصرف:
«أخي جمال، منذ قرأت مقالكم «حاميها حراميها» وأنا أحس بـ»الحكرة» والغبن، وأشعر برغبة قوية في الرد على عمودكم، ليس دفاعا عن رجال الأمن الذين يبيعون وقار وهيبة بذلتهم الرسمية في الطرقات والذين يعرضون ذممهم لمن يدفع أكثر، بل عن فئة أخرى لا يتحدث عنها أحد…
ما كتبتموه في مقال «حاميها حراميها» مجرد نقطة من بحر الفساد الذي تسبح فيه المديرية العامة للأمن الوطني، لكن بعيدا عن الدورية التي استوقفت سائقكم لابتزازه، أريد أن ألفت انتباهكم إلى فئة أخرى من رجال الأمن ينتمي إليها هذا العبد الضعيف: فئة شرفاء البوليس التي تظلم يوميا وتقف بين مطرقة مديرية الأمن وسندان المجتمع الحاقد على مهنة البوليس!
أخي جمال، أتمنى صادقا أن يتسع صدركم للاستماع إلى معاناتنا، نحن من اختار خدمة الوطن بشرف وقاوم الإغراءات والإتاوات دفاعا عن مبادئ تربينا عليها منذ الصغر. ربما كنا قلة، لا تشكل أكثر من 5 أو 10 في المائة من مجموع موظفي المديرية العامة للأمن الوطني، لكننا نمثل الفئة السوية والمستقيمة على خط الشرف وعزة النفس، نحن من لا صوت لهم، نحن من تفرد لنا الصحافة بضع كلمات تكاد لا تـُرى أمام قتامة وفظاعة الجرائم التي يقترفها من يُسَمون ظلما وجورا «زملاءنا في العمل»…
أخي جمال، مقالكم تطرق -بحسن نية- إلى موضوع الرشوة ونصب «الباراجات» والتربص بالمواطنين في المدارات وغيرها من الممارسات التي تعتبر مجرد نقطة في بحر مظلم نعرف خباياه أكثر منكم، وسنسرد لكم أمثلة من الممارسات التي ستقشعر لها أبدانكم. لقد حرصتم على عدم تعميم الأحكام، حيث ذكرتم كلمة (بعض) خمس مرات في محاولة للتذكير بأن هناك استثناءات، وأن ليس كل رجال الشرطة فاسدين ومرتشين، وهذه نقطة أثلجت صدرنا، كما وصفتم بعض رجال الشرطة من «صناع كوابيس أصحاب شاحنات نقل البضائع» بـ«القافزين»، وهنا أود أن ألفت انتباهكم إلى أنه جرى في عرف البوليس أن ينعتوا البوليسي «الفيال» أي المرتشي بـ«القافز»، بينما يوصف أشباهنا -نحن معشر البوليس الشريف- بـ»البوجادي» أو «المرعود»، وهذا يسري على مختلف فئات المجتمع كما تعرفون: من يمشي جنب الحائط يُنعت بالخواف بينما «الزاعم والقافز» هو من لا يهاب الله ولا العبد، من لا قانون ولا مبدأ له في هذه الحياة.
كما أريد أن أسجل معلومة مغلوطة وجب تصحيحها، حيث كتبتم: «من الواضح أن مضاعفة أجور البوليس لم تنفع في وضع حد للابتزاز»… والصحيح أن الزيادة التي استفاد منها رجال الأمن على أهميتها لم تبلغ ضِعف الراتب، على الأقل بالنسبة إلى صغار رجال الأمن، لقد اختلفت نسبة الزيادة من رتبة إلى أخرى، لكنها لم تصل إلى الضـِّعف، في كل الأحوال بالنسبة إلينا نحن الصغار، وبالرغم من أهمية الزيادة فإنها غير كافية في مواجهة متطلبات الحياة، خاصة بالنسبة إلى رجل الأمن النزيه، الذي لا يضاف إلى راتبه فلس واحد: خمسة آلاف درهم التي أضحى رجل الأمن يتقاضاها، يذهب ثلثها في قروض السكن والاستهلاك، وإذا بقي له ثلاثة آلاف درهم فهذا يعني حسابيا مائة درهم كصائر يومي… فهل تكفي مائة درهم لمواجهة غلاء المعيشة ومصاريف الأسرة والأولاد!»
انتهى الجزء الأول من الرسالة، وللحديث بقية.




شاهد أيضا