قصتي معها مستعصية على النسيان ؛ وحتى إن خانت ذاكرتي وحاولت نسيان القصة؛ سأورثها لأبنائي وسأوصي لأن تورث لأحفادي، ليس لأي شيء بل لكي لا يثقوا كثيرا فيما يجري ويعرض من طرف القائمين على شأننا العام .
بدأت القصة عندما انتشر الخبر السار انتشار النار في الهشيم بين صفوف الطلبة، إنه خبر يبدو للوهلة الأولى ” فرصة تاريخية” أمامنا كي ُتحل مشاكلنا ومشاكل عائلاتنا التي لم نجد لها حلا .. ها قد جاء الحل؛ شركة أجنبية أوهمت الجميع بمستقبل الحياة الكريمة والنظيفة، وبدأ الكل يحلم على مقاسه ويشيد مشاريعه الخاصة وبدأ العديد منا بشكل فعلي في تطبيق الحُلم، فمنا من غادر الجامعة إبان الامتحانات، ومنا من خطب أو تزوج بناء على الخبر السار، ومنا من غادر عمله البسيط ومنا ..ومنا ..
أتذكر أني كنت غير مصدق بالخبر؛ هل انفتح باب القدر أمامي وأمام عائلتي أخيرا ؟ أم هل ابتسم لي الحظ ولعائلتي أخيرا ، خاصة وأن الأمر يهمني ويهم أخي أيضا ، فقد سبق وأن تسجل قبلي بأيام؛ لا أخفي فرحتي بقبوله و غيرتي آنذاك منه ؛ لكن القدر فضل أن يجمعنا في قصة واحدة وقد كان من العدل أن نكون متساويين لأننا تقاسمنا أشياء عديدة بشكل عادل ودقيق ، فكيف لا نتجرع هذه المأساة أيضا ؟
انخرط الجميع في الاستعدادات للسفر عبر البحار والتنقل بين الشواطئ السياحية الرائعة في بلدان أيضا رائعة ؛ لا أخفيكم سرا أنني قد سافرت لجميع تلك البلدان لكن فقط في أحلام يقظتي ونومي، لقد كان مؤلما أن تثق في مِؤسسات بلدك ووطنك إلى هذا الحد فقد شكلت ” الفرصة التاريخية ” بالفعل استثناء إبان حكومة “التناوب” المخيبة للآمال، قد يقول متعصب للقبيلة والحزب لقد ظلمت التجربة ..لا ليس هناك قيد أنملة للظلم، بل الظلم عينه ما عشته وما عاشه أخي وأصدقائي الشباب الذين خدعتهم دولتهم “المخدوعة” من الشركة الأجنبية “الماكرة” نجاة.
لن أصف قدر الفرحة التي أحسست بها وأنا أتسلم وثيقة موجهة للمصالح الأمنية من وكالة التشغيل (أنابيك) مفادها أنه يجب تسريع وتسهيل الحصول على الوثائق الإدارية منها جواز السفر .. لقد كان حلما ورديا حقا .
أمدني الوالد رحمه الله بالمال الضروري لإعداد وثائقي بعدما سبقني أخي الأكبر مني بأيام ، لقد خربنا ميزانية العائلة التي خرجت من توها من ضائقة مالية كان أبي أحد ضحاياها، سلمتني أختي الكبرى المال الذي كان يأتمنها الوالد عليه، لقد رأيت في عينيها الأسى والحزن واليأس وكأنها كانت تعرف النتيجة مسبقا ..خسارة المال والتعرض للنصب والاحتيال من من شركة مجهولة ؟
بتنا نسابق الزمن لإعداد وثائقنا الضرورية، وبين الفينة والفينة يظهر وزير تشغيل دولتنا الاستقلالي ” الفاسي عباس” على شاشة التلفزة “الوطنية ” يؤكد ويطمئننا أن الفوج الأول من المترشحين قد غادروا أرض الوطن إلى العمل في الشركة ” النجاة ” وأن الحكومة بصدد التهييئ لإرسال الفوج الثاني الذي سأكون أنا من ضمنهم، وقد كانوا _ لنذالتهم _ يعدون الصفقة من إنجازات حكومة التناوب .. يالها من لعبة قذرة حتى التلفزة قد شهدت بصحة الخبر ويا له من أمر بالغ الصحة إذا شهدت به التلفزة وما تشكله أخبارها من وثوقية في أعماق المغاربة البسطاء المساكين …
بعد كل ذلك حانت المرحلة الأخيرة من القصة المأساة ؛ وجب الآن أن نسافر للدار البيضاء كي نجري الفحوصات الطبية اللازمة قصد السفر والعمل في اليخوت عبر الخلجان و… في مصحة من خمس نجوم قد افتتحت لتوها، أخذت الحافلة وصديقي الضحية مثلي ليلا وعملنا بالتوصية الطبية الصارمة : لا أكل بعد الثانية عشر من الليل كي تُجرى تحليلات الدم بنجاح ، توجهنا إلى عنوان المصحة مسرح الجريمة، لقد كان اللصوص ينتظروننا، لا تستغربوا فمن سرقنا وأعلن عن سرقتنا أمام الملإ على شاشة التلفاز يكون سارقا فوق درجة الاحترافية ..
أثناء انتظار دورنا في “كراج” المصحة تحت أرضي للمرور لأداء التحليلات الطبية وأداء المبلغ النقدي المقرر ، لقد كان حقا منظرا مقززا أن يُحشر شباب في ريعان عمرهم في كراج تحت الأرض وتمارس عليهم السرقة الموصوفة العلنية لأموالهم وأحلامهم ودمائهم ..نعم لقد امتصوا دمنا هناك، دم شبابي خالص من السكريات والدهون غير أنه مليء بالأحلام الوردية الموؤودة ..
جاء دوري ؛ أحسست أنني قد قطعت الشوط الأخير من الحلم المأساة، تقدمت وعددت الأوراق النقدية التسعة من فئة المائة درهم وسلمتها إلى الموظفة التي أعادت عدها بإتقان ثم جمعتها على حدة ورمتها في حقيبة رقمية بيضاء ..لا أدري لمن صارت له أوراقي النقدية ولمن حالفه حظه العاثر كي يأكل عرق والدي المكافح ورزق أمي وإخواني ..هل صارت للوزير “الفاسي” أم للوزير الاشتراكي زعيم “التناوب” أم لصاحب الشركة الوهمية “نجاة “، أم لحيوان مفترس على شاكلة حديقة الحيوانات التي أخافت وزيرنا الأول ” بنكيران” ومنعته من الإصلاحات..
بعدها تلقفنا أشخاص في هيئة أطباء وممرضين وأنامونا على الأسرة وبدؤوا في فحصنا “شفهيا”، كنت أحس من النظرة الأولى أنهم ليسوا أطباء ولا ممرضين بل لصوصا مرتزقة يلبسون الوزرة البيضاء لإيهام عقولنا الكليلة وأجسادنا المتعبة بأنهم كذلك ..ووقع الحادث الذي مازال بعد تذكره يؤلمني ويشعرني بحقارة من سرقونا ونذالتهم ؛ إنه امتصاص دمنا الأحمر القاني النظيف، كنت أتابع العملية بكل هدوء وهم يملؤون الأكياس الطبية بدمائنا الشبابية الخالصة .
لن أندم فدمي المسروق لن ينفع الأشخاص السيئين أمثالهم لأنه كان آنذاك(وما يزال) مشبعا بقيم ومبادئ ناذرة لن تنفعهم بل ستخرب خلاياهم الخسيسة وتجعلها تعيش الندم إن استقبلت مثل هذا الدم في عروقها ، لن أبالغ إن جزمت أن دمي ” المغدور” مازال يسبب حكة حادة في أجساد الأشخاص السيئين الذين ضخوه في أجسادهم المتجعدة المنخورة ويشعرهم بعدم الأمان ويفسد عليهم لحظات نومهم .
بعدها وفي آخر عملية للفحص الطبي أودى بنا باب سري صغير إلى شاحنة الفحص بالصدى لصدورنا قصد التثبت من صحتها ، وأن أوشك أن أنهي مسرحية النصب والاحتيال سالفة الذكر طمأنت نفسي وطمأنتهم غيبا أنهم لن يجدوا في نتيجة فحص صدورنا غير الألم والأسى والحزن يعتصرها على ما آلت إليه حقوق المستضعفين في بلدي .
وجدت نفسي في الخارج ، وتركت هناك في “الكراج” الحشود من الضحايا الشباب، لقد كنا أزيد من خمسة وثلاثين ألفا من الشباب المنصوب عليهم ، بل قل خمسة وثلاثين أسرة حالمة بغد أفضل قد نصبت عليها “النجاة” تحت إشراف حكومة التناوب الموقرة .
لا أدري هل كنا نحن الضحايا الحقيقيين وحدنا أم دولتنا المسكينة المخدوعة كانت هي أيضا شريكتنا في قدرنا المحتوم ؟؟
لا أنسى أخيرا أن أدون مع ختام قصتي أن أي تشابه أو تطابق في الشخصيات أو الأحداث هو محض الصدفة والخيال ..لأن القصة قد وقعت أحداثها في حقبة تاريخية “مقدسة”، فلا داعي إذن أن يجنح خيالكم بعيدا ، ولا داعي أن تمكروا بتاريخنا أيها القراء الأعزاء..

