يسألونك عن الزواج

هشام حمدي 

قل ما أكثر الذين تزوجوا، وما أقل الأزواج فيهم.

الزواج مساحة فيمن وقع اختياركَ عليها زوجة أو اختياركِ عليه زوجا، مساحة تكاد تنعدم فيها كل الاعتبارات فإذا بكِ أو بكَ عندما تتحدث تُحِس إحساسا صادقا أنك إنما تحدث جزء من نفسك، فلم يعد الزوج أو الزوجة إنسان يحمل لقبا أو اسما آخر، وإنما أنتِ هُوَ وهُوَ أنتِ اسمان وقلبان لإنسان واحد وعنصران مكونان لمادة واحدة. قد تحللهما وتشَرِحهما فتجد لكل منهما خصائصه المتفردة وخصوصياته المنفردة، فإذا اجتمعا والتقيا ذابا وانصهرا تَكَوٌنَ ونَتَج منهما عنصر وتركيب جديد ليس فيه وبه خواص المفرد.

الزواج عند الجاهل والمتطرف هو جسد وأداة للغواية الجنسية والاستمتاع الجنسي ومعمل لإنتاج الأطفال وخادمة في بيت، ويعرفه نيتشه بأنه كينونة تربوية وتعليمية متبادلة ومشتركة ولانهائية، أما هيجل فيرى الزواج بأنه تأليف كامل بين رجل وامرأة ويزيد بأن الرجل والمرأة يكملان نفسيهما بالزواج وحده، أما الفيلسوف المتصوف عمر علوي ناسنا فيعرفه بلوحة العائلة التي تحتاج لتعديلات، تعديلات غالبا ما تنتهي بالألوان إلى الخروج خارج إطار اللوحة؛ ليفرض سؤال محوري نفسه عن أنواع الزواج.

توجد أنواع عدة في الزواج نذكر منها ما يصطلح عليه زواج ناتج عن علاقة حب وهي قصة حب تبدأ وتتبلور وتتطور داخل المجال المنزلي العائلي أو السكني أو المهني أو الترفيهي، ليتغير ذوق الحياة.

ولأن الإنسان مفعم قلبه بالطمع، وكأنه إقرار سماوي وواجب الاحتفاظ بهذا الطعم مدى العمر، مستندا على فهم خاطئ لمقولة شعبية أو شعبوية مختصرة في كون كل “قصة أو علاقة الحب مآلها في النهاية زواج”، وانتهاء علاقة الحب بالزواج مثلها مثل انتهاء الحياة بالموت وهذا ما لا يريد بعضهم فهمه، فيما يعتقد الساذج البسيط أن ‏الزواج هو نظرية التطور الطبيعي للشيء المنعش، ليصدم بعد وقت قصير أن لهيب الحب لديه مرده الحرمان والقلق الجنسي، كلما كانت هناك مسافة بينك وبين من تحب تأجج وتوهج لهيب الأحاسيس والمشاعر مصداقا لقول سعيد الطايع بأن المسافات تحمي وتحافظ بل و تُغْنِي رصيد العلاقات، وهذا هو سر خلود أشعار المعلقات وقصائد الشعر العربي لفترة ما قبل وأثناء الإسلام وما بعده، فالمحب يعوض افتقاده لحبيبته نتيجة أعراف القبيلة التي تحرم عليهما اللقاء بكتابة قصيدة مطولة تخلد قصة الحب، وبعد الإطاحة بأعراف القبيلة واللقاء الممنوع أصبح مسموحا في كل زمن ومكان عبر الهواتف والإنترنيت والمقاهي ‏أو بجانب البحر على أبعد، تلاشى بريق الحب وأصبحت حياة قصة الحب أقصر من حياة بطائق التعبئة للجوال وأصبحت القصيدة هي كلمة لأغاني وعيد وتهديد المرأة للرجل أو تزهيد الرجل من قيمة المرأة، لنخرج بخلاصة أن الحب شيء والزواج ‏شأن آخر.

ثم هناك زواج الملتقيات والزيارات العائلية وهو صيغة مقررة ومستقرة في مجتمعنا ومُرَاهَنُ على مفعولها وفاعليتها ونجح رهانها مرة في أكبر العائلات وخسره في أسر أخرى لأسباب أخلاقية أو شخصية أو ارتباك في علاقة حميمية، والفرق بين زواج الملتقيات وزواج الحب، أن في الأول به امتثال للقدر واستسلام للقضاء بعد صحوة العقل، أم الثاني به غفوة العقل أحيانا متبوعة بتمرد على القدر وتمرض على القضاء، لنستنتج بأن الرجل لا يعيبه سوى ماله وديدن مآله.

أيضا هناك زواج المتسرع والطائشٌ الذي يُغَيِبُ العقل ويمكن إلحاقه بزواج الملتقيات والمناسبات، يقع تحت مبدأ الإعجاب ” لقد شاهدت ابنتكم في الحفل أو في زيارة عائلية أو عند البقال أو وهي تمر من أمام منزلنا وأعجبتني” أو يقع تحت طائلة اغتنام آخر الفرص السانحة للتسجيل ” طبعا تسجيل عقد النكاح”، هناك إسراع وتسرع في هذا الزواج وهو يلغي مسألة معرفة ملفات الطرف الثاني المادية والمعنوية وهذا زواج لأجل الزواج، والفرحة به لا تتعدى ساعات العرس نفسها؛ العبرة منه أن سبب الطلاق هو الزواج.

ثم زواج التأثر ويقوم تارة على المجاملة كزواج بنات العم من أبناء العم وأخرى عن عدم وعي وتحكم في الأعصاب في لحظة رجولية ساذجة أو في لحظة حميمية أو يقوم على شعور بالذنب أو شفقة، لنخلص بألا شيء يأتي من فراغ أو عبث.

‏لأنهي بزواج طيور على أنواعها تقع كزواج المغنيات بالمغنيين والراقصات بالفيدورات والبارمِطات بالسياسيين وهو زواج قد لا تجد له سببا ومبررا، عدا الظرفية المشتَرَكَة والمتشابهة أحيانا مثل كون زوجين تجمعهما حرفة واحدة أو كلاهما مطلقين أو مغتربين أو ذوو سوابق عدلية أو أصحاب نظرية سياسية، هما وجدا أنفسهما في فُلْكٍ ذي ِالاتجاه نفسه، فتزوجا لأن اتجاههما واحد، وتَيَقنا من قدرة كل واحد فيهما على قيادة الفلك والسير نحو الهدف الصحيح. لنستنتج أن هذا الزواج لا يبيض أطفالا.

أخيرا، الزواج سؤال وإجابته كيفية زواجك، أما الزواج بالنسبة لي فهو عبارة عن قَارِبَ يتكون من مجدفين وهما الزوجين ليبحرا في نهر اسمه الحياة، وأنه فقط بالكد والجد معا ستخفف المصاعب وتختفي المتاعب من السفر؛ وإذا كنت مقبلا على الزواج فأوصيك بعدم نسيان أن في الزواج لا يوجد زوج مناسب ولا زوجة مناسبة، والحقيقة أنه من واجبك أنتَ أو أنتِ التعب والكد لتكون الشخص المناسب، والفرق كبير كالفرق بين الفرحة والسعادة.

الإنسانية هي الحل




شاهد أيضا