الربيع العربي وثرثرة المثقفين

مخلص حجيب

بمناسبة ذكرى الربيع العربي، أكتب هدا المقال قصد التلميح إلى قضية مهمة هي لبنة أي تغيير سياسي أو اجتماعي هدفه الأسمى هو الرقي بالمجتمع، فأي مثقف نريد لأي مجتمع نريد ؟  

لأي تغيير  مثقفين يبلورون تصورا  أو مشروعا للحراك، هدا التصور الذي يضيء لنا الطريق للوصول إلى مجتمع الكرامة و الحرية و العدالة الاجتماعية و كل القيم الكونية النبيلة ، فبغياب المثقف في أي حراك  أو ثورة يعني بطلان  وموت وخراب هدا المشروع المجتمعي  في بدايته الجنينية ، ببساطة  لأنه هو المهندس الذي يقدم للجماهير خارطة الطريق لهدا التغيير ، بعين نظرية ثاقبة تستبق الواقع المادي.

و للأسف الشديد هدا ما لم يحدث عندما كان الشباب العربي في الميادين محتجين ومرابطين على إسقاط الفساد و الاستبداد من أعلى الهرم إلى أسفله، ففي خضم هدا الحراك ومن صلبه نبع نقاش في الساحة العربية حول مواضيع عديدة ومفاهيم نظرية  كبيرة تتمثل في سؤال المثقف و الحرية كما الديمقراطية، ولقد سأل طلاب الجامعات عن سبب غياب الأساتذة الجامعيين في مسيراتهم و حراكهم و لنا في الحراك المغربي العبر ، أين أستاذ الجامعة الذي لطالما تكلم في مدرجات الجامعة و عبر محاضراته الطويلة كطول خطاب معمر القدافي عن تلك المفاهيم الكونية الضامنة لكرامة الإنسان وحريته، هدا الأستاذ الذي كان بالأمس مثال يحتدا به ، أين دهب وترك موقعه الطبيعي ودوره ألطلائعي؟

وبينما أكتب وجهة نظري في دور المثقف في بلورة تصور سليم للحراك، تبادر إلى دهني مقولة الفيلسوف و المفكر الكبير جان بول سارتر حينما قال ” المثقف هو الشخص  الذي يتدخل في ما لا يعنيه ، ويمتلك القدرة على الجهر بالحقيقة ” و المثقف ببساطة هو من حمل الحقيقة في وجه الظلام على أساس نظري يتمثل في كون المعرفة في حد ذاتها هي عامل  تحرر الإنسان ، ولنا في مرحلة الأنوار أفضل نموذج  لقد كانت أوربا تعيش تحت سلطة الكنيسة و استبداد حكامها وفسادهم، لكن بالمقابل كان هناك مثقفين حملوا عبء التنوير على أكتافهم على الرغم من صعوبة المجتمع الأوروبي أنداك الذي كان يسود فيه  الجهل و انتشار الفكر ألظلامي ، لغة الصفر هي السائدة فلا الماضي يمضي و الحاضر في نقطة الصفر ثابت  و المستقبل ملون بلون قاتم ، لكن كان للمثقف الكلمة الأولى للتصدي ومواجهة هدا الفكر الذي لا ينسجم و الواقع المادي المتغير ، إن  حكمة وبصيرة المثقف التنويري كانت  مصباح ينير ضوء واقع مجتمع مظلم أعمى .

وإذا كان المثقف هو تلك المكانة العلمية  و الأدبية التي تخول  له أن يتخذ موقفا في المجال العام ، من خلال نقده للقضايا اليومية التي يعاني منها المواطن العربي بشكل شامل و المثمتلة في عدة مظاهر اجتماعية أساسها الفقر و البطالة و التهميش ، هده الإشكالات التي أخرجت الشعوب العربية للاحتجاج و للانتفاضة ضد أنظمة عربية شمولية شبه تعددية ، كان من واجب المثقف العربي أن يكون منخرطا في صلب الجماهير ليبلور تصورا لهدا الحراك العفوي حتى  يكون منظم…

غاب المثقف وساد المتعلم  و ما أكثر المتعلمين في بلداننا العربية ، إن الشباب المتحمس و الثائر في وجه الفساد و القهر لم يجد إبان الحراك العربي إلا عددا من المتعلمين يثرثرون كثيرا ويتقنون دور المثقف باحترافية أمام الصحافة و أضواء الكاميرات التي سلطت عليهم للعمل على تنزيل تصور و برامج معينة ، صنع منهم أبطال زمانهم أما المثقف العضوي  فهو يعاني من واقع الاستبداد و التهميش و الحرمان من حقه في التعبير عن مواقفه و تصوراته بحرية ليشاركنا أرائه في قضايا متعددة يتخبط فيها العالم العربي ، ولا ننكر أن هناك هامش من الحرية في وطننا العربي لكن هدا الهامش المفتوح للتعبير هو تحت رقابة اليد الحديدية أو الفولاذية حسب كل بلد بلد ، بحيث لا يتمكن هدا المثقف العضوي  من نشر أفكاره و إبداعاته ، ليضرب على الفكر التنويري حصارا ليس كمثله حصار هدا الحصار الذي يعيق مسيرة بناء الديمقراطية ومجتمع الحداثة في بلداننا العربية ، كما ينقص مثقفينا الجرأة على طرح القضايا المجتمعية فالمثقف إما أن يكون شجاعا بفكره أو لا يكون إما أن ينخرط مع الجماهير أو سينعزل في برجه العالي ينتقد من فوق ولا احد يستمع إليه في قاع الهرم الطبقي  ، ليسقط بلا شعور في طوباوية ومثالية الفكر.




شاهد أيضا