تَأَمُّلٌ… وشهادة حقٍّ في حقِّ رجالات الدولة

تأملات الدكتور عيدودي

صار من عادات معظمنا أن يتصفح بعضَ ما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي. وأنا واحد من الناس. أفعل ذلك أحيانا، ليس لسبب إلا لأن التطور الرقمي بات يفرض نفسه علينا جميعا. ومن تمظهراته أنَّ تَشَكُّل الرأي العام صار يجد له صدىً ومكانةً في الفضاء الافتراضي. وبصفتي فاعلا سياسيا ومُدبراً للشأن العام، فإن أمر الرأي العام وتوجهاته يهمني كثيراً، بغض النظر عن مدى اتفاقي أو اختلافي مع ما يُنشر…فبعضه جِدّيٌّ وصائب وثاقب، وبعضه هزلٌ، وبعضه أخبار زائفة، وبعضه أقلام وحساباتٌ مأجورة، وبعضه رديءٌ وخارجٌ عن السياق… لكن في نهاية المطاف هذا مجتمعنا ونحن كلنا، كَنُخَب، مسؤولون عن تكريس ما هو جيد فيه وتقويم ما اعوَجَّ منه.

ما يُثير انتباهي حقيقةً، وانتباه الجميع، هو ذاك الحجم الهائل من الرفض والسب والغضب الذي يُعبر عنه قسطٌ وافرٌ من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، إزاء كل من يتحمل مسؤولية إدارية أو سياسية أو غيرها لها ارتباط بتدبير المرفق العمومي…حتى يُخَيَّلُ إليك أن المسؤولية الإدارية أو السياسية صارت مُصابةً بلعنةٍ ما ..لعنة افتراضية ربما … وحتى يكاد يُصدق المرء أن جميع من يتحمل مسؤولية كبيرة أو صغيرة ببلادنا بالمرفق العمومي هو فاسدٌ ومُفسدٌ يستحق تلك اللعنة وذلك الغضب والرفض.. وهو ما كان لِيُفضي إلى خلاصةٍ بديهية تتمثل في أنه لو كان ذلك صحيحا حقاًّ لكان الجزمُ قاطعا بأن “دولتنا فاسدة بأكملها فسادا مطلقًا !!! حاشا لله.

لكن الحقيقة والموضوعية والعقل يُنبِــئُونا بشيء آخر لا تُخطئه العين ولا يغفله البصر ولا تتغاضى عنه البصيرة…وهو بسيط وبديهي: هو أن التعميم آفة العِلم… وأن التقدم الذي شهدته وتشهده بلادُنا، في مستوى العيش، وفي البنيات التحتية، وفي الاقتصاد والاجتماع والثقافة والرياضة.. وفي كل الميادين……هو تقدمٌ لم يكن ليأتينا من فراغ أو من فساد….بل هو تقدم وراءه نساءٌ ورجال يشتغلون بصبر وكفاءة ونكران ذات، ويَصِلُون الليل بالنهار…يتميزون بالذكاء والإخلاص والضمير الحي ….وبالوطنية الصادقة….كثيرٌ منهم، فعلاً، لا يحب الأضواء…ولا يقف أمام الكاميرات…ولا يتصدر المنصات…..لكنهم رجال موجودون فعلا في إداراتنا ومؤسساتنا ودواليب تدبير شأننا العام الوطني والمحلي والإقليمي والجهوي….

إن من لا يرى هذه الحقيقة الساطعة فهو أعمى ..أو أنه مُتحامِل…ونقول له فقط إنك مُخطئ في التقدير والحُكم والتقييم….ليس لأن الظواهر المُشينة في إداراتنا ليس لها أثر.. لكن الخطر كل الخطر …والعيب كل العيب يكمن في تصوير حالات الفساد أو التقصير المعزولة وكأنها عامةٌ وسائدة….لأن في ذلك تحقير لهيئات المراقبة، وتبخيس لمكاسب وطننا وأُمَّتنا في جميع الميادين، وإهانةٌ لجنود الخفاء الذين يسهرون في مختلف إداراتنا على تأمين ما يلزمنا كشعب من حاجيات….والكمال لله وحده….

استحضرتُ متأملا مغرب الثمانيات والتسعينات الذي عشته، بلا ماء مُعمم في الصنابير، ولا كهرباء في معظم بوادينا، ولا مسالك أو طرق كافية لتفك عزلةَ قرانا ودواويرنا، ولا نقل مدرسي يضمن تمدرس كافة بناتنا وأبنائنا، ولا مشاريع عملاقة تحرك اقتصادنا وتُشَغِّلُ مئات الآلاف من عاطلينا، كميناء طنجة المتوسطي وورزازات نور 1و2 والقطار البراق والطرق السيارة من طنجة الى أكادير وفاس ومكناس ووجدة.. وإلى العيون الساقية الحمراء .. وها هي ستصل الى الكركارات.. و من ثمة إلى الساحل الإفريقي .. وها هي مشاريع الطرق والماء والكهرباء والقناطر والسدود.. وبناء المدارس والمستشفيات والجامعات ودور الشباب والثقافة والملاعب …وغيرها….تبلغ المئات وربما الآلاف…ومع ذلك فطموحُنَا كأمَّةٍ لا يزال واسعاً….وعلى أذرعنا وعقولنا أن تكون في مستوى هذه الطموحات المشروعة….ومن لم يستطع منا فعل شيء، فعلى الأقل عليه أن يُشجع الآخرين ويصفق لهم .. لا أن يُثبط من عزائم المُجتهدين الأوفياء أو يرميهم بالباطل وَهُمْ على المصلحة العامة ساهرون…..هذا هو كلام الحق الذي سيسمعه الحكيم فيوافق عليه…ويسمعه المتعجرف أو العدميُّ فيعرض عن وجاهته التي لا ريب فيها.

صديق وأخي الذي يسكنك الغضب واليأس من وطنك: لا شك أن لموقفك سبب أو أسباب…. لكن لا شيء يبرر الجحود والإنكار….فلا تجعل أسبابا عارضةً أو زائلة أو ذاتية تُسيطر على عقلك ونفسيتك…فإذا كانت البلاد فاسدة ومُقَّصِّرة كلها فذلك يعني أن أساتذتك فاسدون أو مقصرون…وجيرانك كذلك…وأفراد عائلتك كذلك…وأصدقاءك الواقعيين والافتراضيين هم أيضا فاسدون…والإدارة ورجالها …
في رحلتي الإرادية الشاقة وأنا أطوف على إدارات ووزارات ومؤسسات من أجل تنمية بلدتي ومعشوقتي الحوافات، قادتني الرحلة لألتقي رجالا شرفاء نزهاء أكفاء، فتحوا الباب لي على مصراعيه بكل حب وتقدير.. وأناروا لي الطريق لي بكل صدق وإخلاص.. ورحبوا بأفكارنا ومقترحاتنا بمنتهى اللباقة، واحتضنوا مشاريع الحوافات بكل حفاوة .. وسروا بملتمساتنا لهم طلبا للدعم والمواكبة ببالغ العطف والتعاطف…واكتشفتُ أن الشرط الضمني الوحيد الذي لديهم هو أن يجدوا أمامهم مُخاطباً جديا ومسؤولا حَدَّدَ أهداف منطقته ويسعى إلى تحقيقها بوفاء وعزم…

كان من بين هؤلاء الذين أتوجه إليهم بالشكر والامتنان والاحترام، باسم ساكنة الحوافات: رجال وأعوان سلطة، ورؤساء دوائر وأقسام، وعمال، ومدراء مركزيون وجهويون وإقليميون بمختلف القطاعات: ماء – كهرباء – طرق – تجهيز – وكالة حوض سبو- إسكان – وكالة حضرية – نقل- صحة – تعليم – رياضة…). أحييهم جميعا من خلال هذا التأمل الذي ألهموني إليه.. فقد تيسرت للحوافات، بفضل الله وفضلهم، التنمية المنشودة التي يبتغيها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله لجميع مناطق المملكة المغربية الأبية.

نَعم، فالدولة قائمةٌ برجالاتها الأوفياء الذين يجب أن لا نبخسهم حقهم، وعلينا الاعتراف بمجهوداتهم الجبارة في خدمة الوطن، وواجبنا تقدير الخدمات الجليلة التي يُسدونها لبلدهم، والتي تفوق بكثير مجرد القيام بالواجب المهني فقط.. إنهم، ونحن معهم، سنبقى جنودا مجندين وراء جلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتمكين…

والحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده.


شاهد أيضا