عن الكاك أتحدث (3).. “الحافلة ليست للحجز”

“الحافلة ليست للحجز”..”دورتموند ليس للبيع”..شعاران مذويان يجمعهما خيط ناظم مؤداه جماهير فاعلة و مبدعة في تطويع المنحنى البياني لأزمات أندية الكرة، جماهير متيقظة و حازمة في استلام قمرة القيادة حين يتعلق الأمر باللحظات الحالكة للإنقاذ..
شعار “الحافلة ليست للحجز” يختزل مبادرة جماهيرية عفوية لكنها منتجة للمعنى و منتصرة للقيم، مبادرة أطلقها الجمهور القنيطري و تفاعل معها مكتب الكاك من خلال عرض تذاكر افتراضية بغية الالتفاف حول تبعات الحجز القضائي على حافلة الفريق و ذلك في مشهد يفيض بدلالات راقية ميسمها الانتقال من انفعالات المدرجات إلى الإبداع في رسم مجسمات هوية جماهيرية متمردة عن سلبية الغوغاء و سطحية القطيع..
فبينما كان جمهور دورتموند حازما في تجفيف نزيف الأزمة المالية الخانقة التي كادت أن تزيح هذا النادي الكبير من خارطة التباري الألماني منذ مطلع الألفية الثالثة، من خلال إطلاقه لمبادرة التبرع المالي على أوسع نطاق و كذا تعبئة الجمهور لاقتناء منتوجات النادي ثم تذاكر المباريات، فإن جماهير القلعة الخضراء ما فتئت تتفاعل بدورها مع مشكل الحافلة من موقع مسؤول يعتبر مشروع الإنقاذ و التغيير داخل الكاك بمثابة مشترك إجرائي يخص كل مكونات النادي من جمهور و إعلام و مثقفين و قدماء اللاعبين..
إقدام الجمهور على هذه البادرة يعتبر بمثابة تكريس صريح لمبدأ المرافقة المنتظمة لسيرورة تنزيل المشروع الذي أتى به الرئيس الجديد علي الرماش و بالتالي الانخراط المسؤول في تفادي أية كبوة و ترميم أي تصدع قد يلحق بسفينة الكاك..
لسنا من المتيمين بترديد تلك اللازمة المشروخة التي تقول “خلي الناس تخدم” لسبب بسيط هو أن مشروع البناء و التغيير يعنينا نحن أيضا كجمهور و إعلاميين و منخرطين..الكاك ليس رسما عقاريا يمتلكه أناس دون غيرهم..واهمون من يعتقدون أننا سنكف عن التمحيص و السؤال و المواكبة بل و حتى الإشادة لأننا بكل بساطة لا نستكين للعواطف و الإنفعالات تماشيا مع لفيف جماهيري صامت ينتشي بالبدايات السعيدة ثم ينتظر باتكالية مقرفة النهايات السعيدة..
التفاتة الجمهور القنيطري بخصوص اقتراح تذاكر افتراضية لتطويق أزمة الحافلة توازيها مساعي الرئيس الرماش للتقليص من تداعياتها على ضوء مفاوضاته مع الطرف الحائز على الحكم القضائي..مشهد رائع وملهم للباحثين في مجال إدارة الأزمات يتأرجح بين مقاربة إدارية تفاوضية و قوة جماهيرية اقتراحية لنجد أنفسنا إزاء نمط مرجعي في إدارة الأزمات الطارئة في حياة النادي، نمط مرجعي يضرب غوغائية البعض في مقتل حينما يتركون الجمل بما حمل تحت ذريعة “باراكا من التشويش..خليو الناس تخدم”، و هي العبارة التي لا يكف هؤلاء عن ترديدها و كأنها تعفيهم من ثقل مسؤولية المواكبة و المتابعة و التقويم ثم التقييم تفاديا لكل إخفاق..
المشاريع الرياضية العملاقة في العالم تستمد ريادتها و نجاحها من المرافقة الإعلامية و الجماهيرية المتقدة التي لا تتخاذل في المواكبة و التحليل و التركيب و الاستقراء ثم الاستنباط…هكذا هي المجتمعات الحية و المتفاعلة..
لست من أولئك الذين يحصرون دورهم في التحول إلى سيوف تشج رقاب المسؤول لحظة الإخفاق دون أن يحاسبون أنفسهم عن خذلانهم للفريق و تخليهم عنه طيلة العمر الافتراضي لتنفيذ المشروع..
الحس التشاركي..الرقابة..التمحيص..التقويم..التقييم..المساءلة الدورية…إنها المفردات التي تؤسس لذلك التركيب الاصطلاحي و المفاهيمي المحرك لرحلة الألف ميل صوب النجاح..
لقد كانت لدينا فرصة للتحاور مع العديد من الأصدقاء بشأن مستجدات المرحلة بخصوص الكاك،و حاولنا أن نحدد المواقع و الأدوار التي يفترض أن يضطلع بها الجمهور و الإعلام الرياضي في لحظات التغيير، و هي العملية التي كلفتنا استحضار هندسة إدارة المشاريع التي تتحدث عن مفهوم “دورة حياة المشروع”، هذه الأخيرة التي تتخللها خطوات و إجراءات من ضمنها محطة توقع المخاطر، و عليه فكل نقد أو تساؤل أو تحذير فهو يندرج ضمن هذه الآلية المنوطة بنا كجمهور و صحافة و منخرطين و لجن وظيفية..
لسنا ممن يستهويهم زرع الحجارة في أحذية المسؤولين قصد إرباك رحلتهم بين شعاب الإصلاح و التغيير، كما لسنا من المهرولين و المتهافتين على تسليمهم شيكا على بياض للتصرف الحصري في حاضر و مستقبل الفريق، مادام الحديث عن المحاسبة بعد النكبة هي مجرد أسطورة تزكيها التركة الثقيلة التي خلفها الرؤساء و المسؤولون المتعاقبون دون أن تشملهم المحاسبة..كل من يفشل يضع المفاتيح و ينصرف تاركا كهنة المعبد و من يدور في فلكهم يعضون في النواجد..
سنواصل و إياكم أصدقائي المسير في رحلة الألف ميل آملين أن تتحول المساحات الافتراضية و الواقعية التي تؤطر نقاشاتنا المنتظمة إلى معترك لصيانة الاختلاف و ترجيح ذلك الإئتلاف الذي يجعلنا نحتكم إلى سجيتنا حتى نخرج أجمل ما لدينا و ننبذ أسوء ما يمكن أن يتربص بنا من مركبات نفسية و عقد مرضية منتجة للعدوانية و العنف الرمزي كما حدد معالمه السوسيولوجي الفرنسي Pierre bourdieu..
راينا صواب يحتمل الخطأ، و رأي من يختلف معنا خطأ يحتمل الصواب..
دمتم في رعاية الله..

 


شاهد أيضا