رسالة ودية إلى صحافة المزاد…

بقلم كريم شكري
السؤال الصحفي بطبيعته سؤال مشاكس و متبرم من غواية المهادنة، هذا ما تقتضيه مقومات الدرس الاعلامي الذي تؤطره تقاليد أكاديمية و مرجعيات نظرية لا تجيز النزول بالحديث الصحفي أثناء الندوات و المؤتمرات و اللقاءات المهنية إلى درك سحيق ينكث بموجبه رجل الإعلام تعاقده الأخلاقي مع الجمهور المتلقي..
نماذج غريبة من الأسئلة يطرق بها بعض “الصحفيين” مسامعنا تستوفي العلامة الكبرى في الضحالة المهنية، فيما تفوح من بعضها روائح المحاباة..
و إذا كان من تتوفر فيه صفة صحافي (بالمعنى القانوني و الوظيفي) يقع في كبوة سؤال هاوي على خلفية افتقاره للعدة المعرفية التي تؤسس لعمل صحفي يحترم نفسه، فهذا يحتم على المعني بالأمر ولوج حجرات الدرس الاعلامي حتى يتزود بالكفايات compétences المهنية الكفيلة بتأهيله لاستخلاص إجابات تشفي انتظارات متلقي يفترض أن الصحافي يشتغل بتفويض منه..أما إذا كان يتعمد طرح أسئلة ناعمة لحد الغثيان لتيسير مهمة الشخص المحاور (بفتح الحاء)، فهذا يعتبر تهجينا مقرفا للقيمة الإعتبارية للصحافي باعتباره جزء من ضمير المجتمع..
معذرة زملائي الأفاضل، لقد طفح الكيل و بلغ السيل الزبى حتى لم يعد في قوس الصبر منزع..لقد أفحمتنا سخرية المسؤول و الموظف و الطالب و رجل الأمن و حشود مدرجات الملاعب لدرجة أصبحنا نخفي قبعة الصحفي مخافة الاحراج..
بالنسبة للصحافيين الناشئين الذين تخونهم الخبرة و المعرفة و ضيق هامش التجربة، فالعطب مستساغ إلى حد ما لكونهم يقعون في المحظور بحسن نية و دون رغبة مسبقة لتقزيم بروفايل رجل الاعلام، أما من يستهويهم الاتجار بالصور و الكلمات عبر الاشتغال تحت الطلب على حساب الضمير المهني و نبل الرسالة الصحفية، فنحيله على الحكمة التي ينطوي عليها المثل الصيني القائل: “خير لك أن تضيء شمعة واحدة بدل أن تلعن الظلام ألف مرة”..
“بإمكانكم اقتلاع كل زهور الحقل لكنكم لن تستطيعوا إيقاف زحف الربيع”..مقولة مستوحاة من حراك النضال اللاتيني الهادر ارتأينا اقتباسها ثم تركها على سبيل الاستئناس بين أيدي كل مسؤول أدمن لعبة صناعة الرأي على مقاسه من خلال تجييش أذرع إعلامية في ما يشبه “المناولة الصحفية” sous-traitance journalistique..
إنه للأسف مظهر قاتم من مظاهر البؤس الذي استفاض في تصميم معالمه الباحث السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو ضمن مؤلفه الشهير: “بؤس العالم”..
دمتم في رعاية من قال في محكم كتابه ضمن سورة الأنفال: “يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله و الرسول و تخونوا أماناتكم و أنتم تعلمون”..


شاهد أيضا