واقع الانتخابات الجماعية بالجماعات الترابية 

عماد قسيم: طالب باحث في القانون العام

منذ إستقلال المغرب و بناء دولة الحق و القانون، اهتم المشرع المغربي بمجموعة من الإصلاحات خاصة على مستوى التقسيم الإداري، و يتعبر نظام الجماعات الترابية من أهم الإصلاحات التي عمل المغرب على الإهتمام بها و ترسيخها. و اتضح ذلك أكثر مع دستور 2011 الذي أعطى لها مكانة بارزة بحيث خصص لها الباب التاسع من الدستور المكون من 11  الفصل ( من الفصل 135 إلى الفصل 146 ). كما تعززت بقوانين تنظيمية مهمة: القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات، 112.14 المتعلق بالعمالات و الأقاليم، و 113.14 المتعلق بالجماعات. 

فالجماعات الترابية أصبح يعول عليها لتحقيق التنمية المحلية خاصة و أن المغرب يعتمد على أسلوب اللامركزية في التنظيم الاداري و الجهوية المتقدمة كما هو منصوص عليه في الغقرة الأخيرة من الفصل الأول من الدستور . و دائما ما تصاحب هذه الوحدات الترابية مجموعة من الإصلاحات الإدارية حتى ترتقي في عملها و لعل أبرز ما جاء في هذا الباب ميثاق اللاتمركز الإداري. 

لكن هنا نطرح إشكالية مهمة: هل الفاعل المنتخب الذي يترشح للانتخابات الجماعية لتولي هذا المنصب مؤهل لهذه المهمة؟  هل قادر لتقديم الإضافة و تحقيق ديموقراطية محلية و تنمية ترابية ترتقي بها هذه الجماعات الترابية؟ 

فمن خلال هذا البحث البسيط و المتواضع المستوحي من الواقع سنرصد أهم الاختلالات التي تعتري هذه الانتخابات الجماعية لنبين مكامن الضعف و الخلل في تدبير الجماعات الترابية، كما سنحاول تقديم بعض الاقتراحات لإصلاحها. 

المحور الأول: مكامن الخلل للانتخابات الجماعية 

الانتخابات الجماعية تعتبر مرحلة فاصلة في حياة الجماعات الترابية. بحيث، كل مرشح ينال رئاسة المجلس سواء الجهوي، الإقليمي، او الجماعي فهو الفاعل المنتخب المسؤول عن تدبير الشأن المحلي و التنمية المحلية، لكن هل يمكن أن نحقق ما تم ذكره في ظل الاكراهات التي يعرفها الواقع ؟!

– غياب تكوين الفاعل المنتخب : دائما و في كل سنة انتخابية نرى نفس الوجوه في الساحة الانتخابية غير مؤطرة و غير كفأة، و التي أبانت عن فشلها في تدبير المجلس في الولاية النيابية السابقة.

– وكلاء اللوائح الانتخابية خاصة في الجماعات غياب شبه تام للأطر الكفأة ذو شواهد علمية عليا قادرة على تقديم الإضافة و تنزيل السياسات العمومية الترابية على أرض الواقع، و تطبيق القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات. بحيث، أغلب المرشحين و الأعضاء من فئة التجار، الحرفيين، مقاولين،فلاحون…و  غير مستوعبين لتلك القوانين . و حسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات سنة 2012 رصد بأن 20% فقط من لهم شواهد عليا في حين 80% يملكون شواهد ابتدائية او حتى بدون. مع العلم أن الجماعات الترابية تحتاج إلى موارد بشرية مؤطرة و مؤهلة خاصة و أن اختصاصات الجماعات الترابية الذاتية، المشتركة و المنقولة فيها ما هو ذا طابع تقني كالمالية، التعمير، الصفقات العمومية… و الآن أصبحنا أمام خيار لا رجعة فيه و هو الإدارة الإلكترونية. فهل الفاعل المحلي المنتخب الذي دون مستوى علمي قادر أن يواكب التطورات التي تعرفها الإدارة المحلية على المستوى الرقمي؟!.

و أهم خلل في الانتخابات الجماعية ظاهرة التحالفات بين الأحزاب قصد الانتقام و تصفية الحسابات الشخصية و ليس تحالفات من اجل خدمة الصالح العام. بحيث، الكثير من يعتبر أن رئاسة المجلس ليست ولاية نيابية لخدمة الصالح العام و إنما لإغناء الثروة و الزيادة في المشاريع. 

–  أحزاب تتفق مئات الملايين في الحملة الانتخابية لجلب الأصوات 

– غياب الرقابة السياسية التي تعتبر قوة في وجه المجلس، و غياب فعاليات المجتمع المدني التي تدافع عن الصالح العام لان اغلب الجمعيات هي تابعة للاحزاب التي تحكم المجلس.

 عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة بالنسبة لرؤساء المجالس التي تضبط في حقهم اختلالات للمال العام سواء من طرف المفتشية العامة للمالية أو الداخلية أو المجالس الجهوية للحسابات، و لا تكون دريعة بالنسبة لكل من أراد الترشيح.

غياب العقوبات الزجرية من طرف تلك المؤسسات المذكورة أعلاه .

و يبقى كل ما تم ذكره فقط بعض مكامن الخلل على سبيل المثال و ليس على سبيل الحصر التي يعرفها واقع الانتخابات الجماعية بالنسبة للجماعات الترابية. 

المحور الثاني: مداخل الحلول للانتخابات الجماعية 

حتى تكون الجماعات الترابية وحدات ترابية يعتمد عليها و تدبر شؤونها بكيفية ديموقراطية حقيقية، و تدبير عمومي جيد وجب:

– فرض شروط بالنسبة للترشيح و تكون أولى الشروط شهادة علمية على الأقل شهادة الباكاروليا.

– حث الاحزاب السياسية على تأهيل و تأطير أعضاءها و ممثليها المرشحين للانتخابات الجماعية. 

– انعقاد دورات تكوينية فعالة لرئيس المجلس و أعضاءه بشكل مستمر حتى يتمكنوا من استعاب اختصاصات الجماعات الترابية. 

– عدم قبول لائحة أي متشرح كان في ولاية سابقة و لم يقدم أي إضافة الساكنة أو للجماعة التي ينتمي إليها. 

– ربط المسؤولية بالمحاسبة، و منح المفتشية العامة للمالية أو الداخلية أو المجالس الجهوية للحسابات جزاءات ذات طابع زجري تصل حتى إلى المساءلة الجنائية و لا يقف دورها فقط في الافتحاص و التدقيق. 

– حث ولاة الجهات و عمال العمالات و الأقاليم على  تفعيل  ميثاق اللاتمركز الإداري بشكل كبير و مساعدة الرؤساء على تدبير الشأن المحلي .

– انخراط هيئات لا منتمية تمارس الرقابة السياسية على المجالس المنتخبة .

– و إعطاء الضوء الأخضر لرجال السلطة لممارسة رقابة مواكبة للمترشحين طيلة فترة الحملة الانتخابية

الجماعات الترابية هي وحدات ترابية يعول عليها المغرب من أجل بناء  دولة الحق و القانون، و تحقيق الديمقراطية المحلية، و خلق مشاريع و فرص شغل على المستوى المحلي. و بالتالي لا يمكن أن تحقق الأهداف في ظل هذه الاوضاع، لأن الجماعات الترابية لا تزال تعاني و أزمة كورونا أبانت عن ذلك . بحيث، هذه الوحدات الترابية إلى حدود الساعة غير مؤهلة لمواجهة الكوارث الطبيعية، الاقتصادية،و الاجتماعية و السبب يعود إلى ضعف المورد البشري المتخب الذي يسيرها .


شاهد أيضا