كلمة السيد راشيد الطالبي العلمي رئيس مجلس النواب في افتتاح اللقاء التواصلي مع هيئات المجتمع المدني

السيدات والسادة مسؤولي الهيئات المدنية والفاعلين الاجتماعيين،

السيد الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة،

السيدات والسادة نواب الرئيس، وأعضاء مكتب المجلس،

السادة رؤساء الفرق والمجموعة النيابية،

السيدات والسادة رؤساء اللجان النيابية الدائمة،

السيدات والسادة ممثلي الهيئات الدولية الشريكة لمجلس النواب،

السيدات والسادة،

تغمرني سعادة كبرى وأنا أفتتحُ أشغالَ هذا اللقاء التواصلي مع هيئات المجتمع المدني، والذي نُخَصِّصُه لاْلتِزاماتِ مجلسِ النواب إزاءَ مبادرةِ الشراكةِ من أجل حكومة منفتحة، المعروفة اختصارًا بـ OGP، لنَقِفَ عَمَّا أنجزنَاهُ منذ انضمام المجلس إلى هذه الآلية الدولية في خريف 2019، ولنَسْتَشْرِفَ، معًا، آفاقَ ما يتعينُ علينا إنجازُه في غضون سنتي 2022 و2023.

وكما تعلمون، فإن مبادرة الشراكة من أجل حكومة منفتحة جعلت من منظمات المجتمع المدني شريكًا أساسيا للبرلمانات والحكومات والجماعات الترابية في إعمال مخططاتها والتزاماتها في إطار هذه المبادرة اعتبارًا لأدوارِها في مجال التَّرَافُعِ المدني، وفي اليقظة والتأطير الاجتماعي.

ونعتبرُ في مجلس النواب، منظماتِ المجتمع المدني شريكًا في تفعيلِ الديموقراطية التشاركية والمواطنة وِفْقَ ما يَكْفَلُه دستورُ المملكة. لذلك كان هذا التصميمُ من جانبِنا في الرئاسة، وفي مكتب المجلس ومع رؤساء الفرق والمجموعة النيابية ورؤساء اللجان النيابية الدائمة، على مأسسة العلاقات مع الفاعلين الاجتماعيين على أساسِ الإِشْراكِ والتشاورِ والاحترام الدقيق للأدوار والمسؤوليات.

وقبل أن أعودَ إلى الحديث عن هذه الشراكة، أَوَدُّ أن أشيرَ إلى أن هذا اللقاء يدخل في إطار التَّمَلُّكِ المشترك لخطة مجلس النواب الثانية، والتي تتضمن التزاماته في إطار مبادرة الشراكة من أجل حكومة منفتحة إِعْمالًا للمنهجية التي توصي بها هذه المبادرة.

وإنها مناسبةٌ أيضا للتذكير، باختصار، بالمُنْجَزِ من خطة المجلس الأولى 2019-2021، والتي تَزَامَنَ إعمالُها مع السياق الوبائي الذي يعرفُ الجميعُ تداعياتِه. وعلى الرغم من ذلك، فقد تَمَكَّنَ مجلس النواب من الوفاء بالتزاماته الأساسية كما تأكد ذلك من التقييم المستقل الذي أنجزته المبادرة نفسُها، وكما يشهد بذلك شركاؤُنا الدوليون.

وقد تم تصنيف التزامات مجلس النواب الست (6) برسم الخطة الأولى في إطار ثلاث محاور كبرى تتمثل عناوينها في 1) المشاركة المواطنة 2) والولوج إلى المعلومة 3) وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي انتظار أن يتم تقديم مُنْجَزِ مجلس النواب في مجال الانفتاح والديمقراطية التشاركية والمواطنة، بتفصيل، أؤكد لكم أن نسبة إنجاز التزامات المجلس برسم الخطة الأولى بلغت مستوى جد مرتفع في عدد القطاعات، وحققت نسبةَ إنجازٍ تجاوزت 70 % في ما تبقى منها. فسواءً في ما يتعلق بتنفيذ المقتضيات الدستورية والتشريعية في مجال الديموقراطية التشاركية، أو إعْمَال الحق الدستوري في الولوج إلى المعلومات، أو إشراك المواطنات والمواطنين في مسلسل التشريع وفي تقييم السياسات العمومية، أو الانفتاح على الجمهور، وخاصة الشباب واليافعين، أو تفعيل الشراكة مع المجتمع المدني وأوساط البحث الجامعي والأكاديمي، أو البرلمان الإلكتروني، فإِنَّ المجلسَ نَفَّذَ ثلاثين إجراءً، كرست انفتاحَهُ المُمَأْسَس والمضبوط والمُنَظَّم.

وإعمالا لمبدإ التراكم، تَبْنِي خطةُ المجلس الثانية، التي ستُعرض عليكم قصد الإثراء والتطوير، على هذا المنجز، وتقترحُ إجراءاتٍ جديدة سيكون لمنظمات المجتمع المدني والفاعلين الاجتماعيين دورٌ حاسم في إِعْمَالِها.

وهكذا يقترح مجلس النواب سَبْعَ إلتزاماتٍ كُبرى سيتم تنفيذُها في صيغةِ تدابيرَ وقراراتٍ وفعالياتٍ يَتَصَدَّرُها تعزيزُ الشراكةِ مع الفاعلين الاجتماعيين من أجل نشرِ وترسيخِ الثقافةِ الديموقراطية والبرلمانية، وإعمالُ مبدإ برلمان القرب، والانفتاحُ أكثر على العموم من خلال تَيْسيرِ استقبال عدد أكبر من المواطنين  والمواطنات، خاصة فئات اليافعين والشباب، في مقر المجلس.

وتقترح الخطة أيضا إشراك المواطنين والمواطنات في العمل البرلماني، بما في ذلك في المراقبة والتشريع وتقييم السياسات العمومية ؛ والمشاركة في مخيمات صيفية موضوعاتية لنشر قيم الديموقراطية وثقافة المشاركة، وجعل الأطفال يتملكونها، وأخيرًا تنظيمُ منتدياتٍ مَجَالية للقرب موضُوعُها الصياغةُ التشريعيةُ بهدف جعل المواطنين يَسْتَبْطنُونَ عملياتِ التشريع.

تِلْكُم هي العناوين الكبرى لخطة مجلس النواب في ما يخص البرلمان المنفتح، والتي سيتم وضعُها رهن إشارة العموم في الموقع الالكتروني الرسمي للمجلس  قصد إغنائها والتعليق عليها.

وحَرَصْنَا في صياغة هذه الالتزامات على أن نَتَمَثَّلَ مقتضيات دستُور المملكة الذي يُجْمِعُ المراقبُون الموضوعيُون على طابعه التحرري والمتقدم في ما يرجع إلى الديموقراطية التشاركية والمواطنة كما في مجموع مقتضياته.

وينبغي أن نَفْخَرَ بأن بلادنا من البلدان القلائل التي حرصت على دسترة حقوق وواجبات هيئات المجتمع المدني والديموقراطية التشاركية والمواطنة، علمًا بأن ذلك كان سابقا لإطلاق مبادرة الشراكة من أجل حكومة منفتحة.

 

السيدات والسادة

إذا كانت ديناميةُ هيئات المجتمع المدني بالمغرب تستحقُ التقديرَ والثَّناء، وتُثِير الإعجابَ بعملها الميداني المُتَّسِم بالقرب والتنوع، فإن ما يَكْفَلُه لها الدستُور، والتشريعاتُ ذات الصلة من حقوق وواجباتٍ، يُطَوِّقُها بمسؤوليةِ النهوضِ بمهامَّ نبيلةٍ جديدةٍ. فهي بِمَنْطُوقِ الفصل 12 من الدستور مطالبةٌ بالمساهمة “في إطار الديموقراطية التشاركية في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات الحكومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها”.

وفي المقابل أكد الدستور على أن تعملَ السلطات العمومية على إحداث “هيئات للتشاور قصد إشراك مختلف الفاعلين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها”. وأعتقد أن لِقَاءَنا اليومَ يدخُل في هذا الباب.

وإذا كان الفصلان 14 و15 يَكْفَلَان للمواطنات والمواطنين حَقَّ تقديم ملتمساتٍ في مجال التشريع، وحق تقديم عرائض إلى السلطات العمومية، بما فيها التمثيلية، فإن هيئات المجتمع المدني مدعوةٌ إلى تأطير مبادرات المواطنين في هذا المجال، والمساهمة في تفعيل مقاصد دستور المملكة، وتيسير المشاركة، وإغناء التشريع الوطني، خاصة وأنكم تتمتعون بمِيزَةِ القرب، وبتَعَدُّدِ مجالات اشتغالكم، ولَكُمْ القدرة على تَشْبِيك علاقاتكم في الميدان.

وقد حَرَصْنا في مجلس النواب على تشكيل اللجنة المعنية بتلقي عرائض وملتمسات المواطنين إعمالا لأحكام الدستور والقانون التنظيمي ومقتضيات النظام الداخلي للمجلس ذات الصلة، ووفرنا الهياكل الإدارية لذلك.

ويجسد المجتمع المدني بالفعل ذلك التنوع والتعددية التي تميز المغرب وتُثري حضارتَه، وهو مخزونٌ وطني هام من الكفاءات والمهارات ومَشْتَلٌ لإنتاج النخب ونشر قيم التطوع والتضامن وثقافة التسامح، والتنشئة على قيم المُوَاطَنَة.

ويظل الهدف الجماعي، بالطبع من تظافر جهودنا، سَوِيًّا، هو تقويةُ المؤسسات بتعزيز الثقة فيها، وتجويدِ أدائها، وجعله أكثر وقعًا على المجتمع، وتجويد الخدمات العمومية وزيادة مردودية مَرَافِقِها.

 

السيدات والسادة،

لا يمكن اختزالُ انفتاح مجلس النواب في إِعْمَالِ التزاماته في إطار مبادرة الشراكة من أجل حكومة منفتحة. ففي باب العلاقة مع وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية، التي تعتبر قناةً هامة لنقل الخبر والمعلومة البرلمانية، يصل عدد الصحفيين والصحفيات المعتمدين لدى المجلس، مثلا، 250 مهنيا، وهو رقم قياسي إذا ما اعتبرنا الممارسات المقارنة داخل المملكة وخارجها. ومن جهة أخرى، يوفر المجلس وثائقَ بآلاف الصفحات على موقعه الالكتروني من تقارير ومحاضر جلسات عامة، وأكثر من مَائَتَيْ كتاب مُرَقْمَن. إنه رصيد وثائقي غَني أدعو الباحثين إلى استثماره لإثراء البحث حول الديموقراطية والعمل البرلماني. واعتبارًا لأهمية الاستشارة العلمية في تجويد العمل البرلماني، يرتبط المجلس باتفاقيات شراكة مع جميع الجامعات العمومية الوطنية الاثنتي عشر. واسهامًا منه في تكوين رؤية علمية موضوعية حول تطلعات وانتظارات المواطنين، أَطْلَقَ مجلس النواب، خلال السنة التشريعية الحالية، دراسة ميدانية سوسيولوجية سيتم الانتهاء من صياغة خلاصاتها قريبا.

 

السيدات والسادة

أجدد الدعوة إلى هيئات المجتمع المدني لاستعمال حقوقها الدستورية وإطلاق مبادرات مواطنة في مجال الديموقراطية التشاركية باعتبارها إحدى ركائز المشاركة الشعبية في تدبير الشأن العام. ومع أنني أعتبرُ أن الديموقراطية التشاركية لا يمكن أن تُعَوِّضَ الديموقراطية البرلمانية التمثيلية، وأن ثمة حدودًا بين السياسي والمدني ينبغي احترامها، فإنني أعتبر في المقابل، الهيئات المدنية دعامةً أساسية للمؤسسات، ورَافِدًا للديموقراطية في مختلف أبعادِها.

وكما أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس أعزه الله، فإن
المغرب في حاجة لكل أبنائه ولجميع القوى الحية والمؤثرة وخاصة هيئات المجتمع المدني التي ما فتئنا نشجع مبادراتها الجادة اعتبارا لدورها الإيجابي كسلطة مضادةٍ وقوةٍ اقتراحيةٍ تساهم في النقد البناء وتوازن السلط“.
انتهى كلام جلالة الملك.

في الختام أدعوك إلى إثراء خطة عمل مجلس النواب، والمساهمة في إِعْمَالِها وأشكركم على حضوركم، كما أشكر السيد الوزير على حضوره مَعَنا تجسيدًا لمبدإ التعاون والتكامل بين السلط، وأشكر شركاءنا الدوليين : الاتحاد الأوروبي، والجمعية البرلمانية لمجس أوروبا ومؤسسة وستمنستر للديموقراطية والمعهد الديموقراطي الأمريكي، ومسؤولي مبادرة الشراكة من أجل حكومة منفتحة وممثلها في إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط.

 

شكرا على إصغائكم.


شاهد أيضا