الأخطبوط الأسود
في مشهد غير مسبوق، شهدت مدينة فاس رفع العلم الإسرائيلي داخل فعالية وطنية مخصصة للترافع المدني حول القضايا الوطنية، ما أثار موجة غضب عارمة بين المغاربة الذين اعتبروا الأمر اختراقًا غير مقبول للنسيج الوطني، ومحاولة لفرض رموز الاحتلال داخل فضاءات مغربية خالصة.
هذه الواقعة تطرح تساؤلات ملحّة حول طبيعة الحادث، وهل كان مجرد خطأ بروتوكولي، أم خطوة مدروسة ضمن مسار تسريع التطبيع في الفضاءات العامة بالمغرب؟
حدث وطني تحت راية الاحتلال.. كيف تسلل العلم الإسرائيلي إلى المنصة؟
وقعت الحادثة خلال “الملتقى الوطني الأول للصحافة والمجتمع المدني للترافع من أجل القضايا الوطنية”، الذي نظمته بلدية فاس، حيث فوجئ الحاضرون برفع العلم الإسرائيلي على المنصة، رغم أن الفعالية لا تمت بصلة مباشرة للعلاقات المغربية-الإسرائيلية.
العديد من التساؤلات طُرحت حول من سمح بذلك، وما إذا كان الأمر مقصودًا أو مجرد خطأ تنظيمي. لكن بغض النظر عن النوايا، يبقى المشهد مستفزًا لوجدان فئات واسعة من المغاربة، خاصة أن فاس تُعتبر تاريخيًا معقلًا للحركات الوطنية الرافضة للاستعمار، ورمزًا من رموز الدعم الشعبي للقضية الفلسطينية.
التطبيع بين الرسمي والشعبي.. هل تتغير معادلة المواقف؟
رغم توقيع المغرب اتفاق التطبيع مع إسرائيل سنة 2020، فإن الشارع المغربي ظل منقسمًا حول هذه الخطوة. الحكومة تؤكد أنها مقاربة استراتيجية تخدم المصالح الوطنية، بينما يرى كثيرون أن التطبيع لا يمثل الإرادة الشعبية الحقيقية، خصوصًا أن المغرب لطالما كان من أبرز المدافعين عن الحقوق الفلسطينية.
لكن رفع العلم الإسرائيلي في فعالية وطنية داخل مدينة مثل فاس يُعتبر في نظر البعض خطوة رمزية لإعادة تشكيل المشهد العام، وإيصال رسالة مفادها أن التطبيع لم يعد مجرد اتفاق سياسي، بل أصبح يمتد إلى الفضاء المدني والاجتماعي، رغم استمرار الرفض الشعبي له.
اختراق مدروس أم سياسة رسمية؟
هذه الحادثة فتحت الباب أمام تساؤلات أكبر تتعلق بمستقبل العلاقة بين المغرب وإسرائيل، ومدى إمكانية تحول الرموز الإسرائيلية إلى مشهد مألوف داخل الفضاءات العامة.
هل كان رفع العلم الإسرائيلي مبادرة فردية من جهات تدفع نحو تسريع وتيرة التطبيع؟
أم أن الأمر يعكس تحولًا رسميًا في التعامل مع إسرائيل، حيث لم يعد هناك أي تحفظ على ظهور رموزها داخل الفعاليات المغربية؟
إذا كان السيناريو الثاني صحيحًا، فإننا أمام مرحلة جديدة تتجاوز التعاون الأمني والدبلوماسي إلى مستوى فرض التطبيع الرمزي داخل المجتمع المغربي، وهو ما قد يواجه برفض شعبي أقوى.
ردود فعل غاضبة.. الصحافيون والحقوقيون أمام الأمر الواقع
تحوّل الملتقى، الذي كان يفترض أن يكون مساحة للترافع حول القضايا الوطنية، إلى ساحة نقاش حاد بين من يرفضون فرض الرموز الصهيونية داخل الفضاء العام، وبين من يرون أن التطبيع أصبح مسارًا لا رجعة فيه.
عدد من الفاعلين الحقوقيين والصحافيين المشاركين في الحدث أعربوا عن استيائهم، معتبرين أن رفع العلم الإسرائيلي أساء إلى الفعالية، وطرح علامات استفهام حول الجهات التي تحاول إعادة تشكيل الوعي الجماعي للمغاربة تجاه القضية الفلسطينية.
رسائل متعددة.. لمن كانت موجهة؟
رفع العلم الإسرائيلي في فعالية مغربية يبعث بعدة رسائل ذات أبعاد مختلفة:
رسالة إلى إسرائيل بأن المغرب قطع أشواطًا متقدمة في التطبيع، لدرجة أن رموز الاحتلال يمكن أن تظهر علنًا في الفضاءات المدنية دون عواقب.
رسالة إلى الداخل المغربي بأن مقاومة التطبيع أصبحت معركة خاسرة، وأن إسرائيل باتت جزءًا من المشهد العام، رغم الرفض الشعبي.
رسالة إلى المعارضة والمناهضين للتطبيع بأن السياسة الرسمية لن تتراجع عن مسارها، وأن الخطوات القادمة قد تكون أكثر جرأة.
ما بعد فاس.. هل أصبح العلم الإسرائيلي مشهدًا طبيعيًا؟
إذا مرّت هذه الواقعة دون أي رد فعل رسمي أو شعبي قوي، فقد نرى تكرار هذه المشاهد في مناسبات أخرى، مما قد يزيد من الانقسام داخل المجتمع المغربي بين رافضي التطبيع وداعميه.
لكن الأكيد أن رفع العلم الإسرائيلي في حدث وطني مغربي لم يكن مجرد صدفة، بل هو إشارة إلى تحولات عميقة قد تعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع حول قضية التطبيع.
فهل سيؤدي هذا الحادث إلى تصعيد الرفض الشعبي؟ أم أن المغاربة سيتقبلون تدريجيًا هذه التحولات حتى تصبح مشاهد مثل هذه مألوفة في المستقبل؟

