الرباط تعصف بالتضامن:مسيرة شعبية مغربية تزلزل الأرض تحت أقدام التطبيع وتصرخ لغزة

الأخطبوط الأسود

في مشهد مهيبٍ وصرخات هادرة، عاشت العاصمة المغربية الرباط يوم الأحد 6 أبريل 2025 لحظة تاريخية لا تنسى، حين تحوّلت شوارعها وساحاتها إلى ساحات حقيقية للغضب الشعبي والنفير الجماهيري. آلاف المغاربة من كل الفئات والأعمار، أطفالًا ونساءً، شبابًا وشيوخًا، نزلوا إلى الشارع بعفوية جارفة، حاملين علم فلسطين ومرددين هتافات صاخبة ضد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، في واحدة من أكبر التظاهرات التي عرفتها البلاد تضامنًا مع الشعب الفلسطيني منذ عقود.

المسيرة انطلقت من ساحة “باب الأحد” الرمزية، لتتوجه صوب البرلمان وسط العاصمة، في خط مستقيم جسّد بوضوح الانحياز الشعبي المغربي الثابت للقضية الفلسطينية. لم يكن في ذلك اليوم مكانٌ للشعارات الحزبية أو الأيديولوجية، فقد ذابت كل الحساسيات في علم فلسطين الذي تصدّر الصفوف، واختفت خلفه كل الرايات الأخرى. وحده علم النضال كان حاضراً، ووحده صوت فلسطين كان مسموعاً.

المتظاهرون رفعوا شعارات قوية تندد بالإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة، ووجّهوا رسائل واضحة إلى كل من يلتزم الصمت أو يختار التواطؤ، سواء من الأنظمة العربية أو القوى الدولية. لم تسلم لا الولايات المتحدة، ولا قطر، ولا مصر من الغضب الشعبي المغربي، بعدما فشل رُعاتها للهدن في كبح آلة القتل الإسرائيلية. الرسالة كانت حاسمة: “لا صمت بعد اليوم، لا تطبيع، ولا حياد أمام الدم”.

المحتجون اعتبروا ما يجري في غزة تطهيرًا عرقيًا ممنهجًا، يجري على مرأى ومسمع من العالم الذي اختار أن يدفن رأسه في الرمال. القصف لم يعد يُفرّق بين طفل أو امرأة، بين مدرسة أو مستشفى، وكل أشكال الردع الدولي صارت حبراً على ورق. ومع استمرار سقوط الشهداء، ارتفعت أصوات المغاربة بالمزيد من الغضب، معتبرين أن العدوان تجاوز حدود الجريمة، ليصير عدواناً على الإنسانية نفسها.

وفي لحظة فارقة، وجد المتظاهرون أنفسهم في تناقض صارخ بين صمت الحكومات وبين أصوات الفتوى والمقاومة. بينما تكتفي الجامعة العربية ببيانات الشجب والتنديد، خرج مجلس علماء المسلمين بفتوى تدعو إلى الجهاد نصرةً لغزة، ما طرح على الشعوب أسئلة مؤلمة عن جدوى مؤتمرات القمم والصور البروتوكولية للقادة الذين يبدون أكثر حرصًا على مصالحهم من دماء الأبرياء.

صوت الشارع المغربي كان بمثابة صفعة قوية على وجه كل أشكال التطبيع الرسمي. الشعب قال كلمته: “فلسطين ليست قضية موسمية”، وأثبت أن البوصلة لا تزال ثابتة نحو القدس، وأن المغرب، برغم كل محاولات التليين والتطبيع، لا يزال وفياً لقضية العرب المركزية.

كانت الرباط في ذلك اليوم عاصمة للقضية، لا تقل حضوراً عن رام الله أو نابلس أو غزة نفسها. كانت مدينة تتحدث بلغة الكرامة، وترفض أن تُستعمل الأرض المغربية كمنصة للتسامح مع الجريمة. إنها رسالة صريحة وقوية من المغاربة إلى العالم: فلسطين ليست وحدها، والمغرب الرسمي ليس المغرب الشعبي، والكرامة لا تُقايض لا بالغاز ولا بالسلاح ولا بكأس العالم.




شاهد أيضا